الخطيب الشربيني

433

مغني المحتاج

فروع : المداومة على ترك السنن الراتبة ومستحبات الصلاة تقدح في الشهادة لتهاون مرتكبها بالدين وإشعاره بقلة مبالاته بالمهمات ، ومحل هذا كما قال الأذرعي في الحاضر ، أما من يديم السفر كالملاح والمكاري وبعض التجار فلا . ويقدح في الشهادة مداومة منادمته مستحل النبيذ والسفهاء ، وكذا كثرة شربه إياه معهم لاخلال ذلك بالمروءة ، ولا يقدح فيها السؤال للحاجة وإن طاف مكثره بالأبواب إن لم يقدر على كسب مباح يكفيه لحل المسألة حينئذ ، إلا أن أكثر الكذب في دعوى الحاجة أو أخذ ما لا يحل له أخذه فيقدح في شهادته . نعم إن كان المأخوذ في الثانية قليلا اعتبر التكرار كما مر نظيره . ولما قدم المصنف من شروط الشاهد كونه غير متهم بتهمة ترد شهادته بينها بقوله : ( والتهمة ) بمثناة فوقية مضمومة بخطه في الشخص ، ( أن يجر إليه ) بشهادته ( نفعا أو يدفع عنه ) بها ( ضررا ) وبما تقرر اندفع ما قيل إن كلامه أشعر بعود ضمير إليه للشاهد ، فيصير التقدير : أن يجر الشاهد إلى الشاهد ، وفيه قلاقة ، وأيضا فالنفع ينجر للمسمى لا للاسم ، فلو قال أن يجر إلى نفسه أو يدفع عنها كان أولى اه‍ . ثم أشار المصنف لصور من جر النفع بما تضمنه قوله : ( فترد شهادته لعبده ) سواء أكان مأذونا له كما في المحرر أو لا كما شمله إطلاقه ، لأن ما يشهد به فهو له . ( ومكاتبه ) لأن له في ماله علقة ، لأنه بصدد العود إليه بعجز أو تعجيز . نعم لو شهد بشراء شقص لمشتريه وفيه شفعة لمكاتبه قبلت ، نبه عليه الزركشي . ( وغريم له ميت ) وإن لم تستغرق تركته الديون . ( أو عليه حجر فلس ) لأنه إذا أثبت للغريم شيئا أثبت لنفسه المطالبة به . وألحق الماوردي بذلك إذا كان زوجها معسرا بنفقتها شهدت له بدين ، وتقبل لغريمه الموسر وكذا المعسر قبل الحجر والموت تعلق الحق بذمته بخلافه بعد الحجر أو الموت ، لأنه يحكم بماله لغرمائه حال الشهادة . وخرج بحجر الفلس حجر السفه والمرض ونحوهما . نعم لو شهد غريم المرتد بمال لم تقبل شهادته ، لأن حاله أشد من المفلس وقريب من الميت . ( و ) ترد شهادته أيضا ( بما هو ) ولي أو وصي أو ( وكيل فيه ) ولو بدون جعل ، لأنه يثبت لنفسه سلطنة التصرف في المشهود به . تنبيه : يلحق بمن ذكر شهادة الوديع للمودع والمرتهن للراهن لاقتضائها دوام يدهما . وقد يفهم كلامه القبول فيما إذا عزل نفسه وشهد ، ولكن محله ما لم يخاصم ، فإن خاصم ثم عزل نفسه لم يقبل . وأفهم كلامه لغيره القطع بقبول شهادة الوكيل لموكله بما ليس وكيلا فيه ، ولكن حكى الماوردي فيه وجهين ، وأصحهما الصحة . ولو عبر بقوله فيما هو وكيل فيه كما فعله في المحرر وأصل الروضة كان أولى ليتناول من وكل في شئ بخصومة أو تعاطى عقدا فيه أو حفظه أو نحو ذلك ، فإنه لا تقبل شهادته لموكله في ذلك ، لأنه يجر لنفسه نفعا باستيفاء ماله في ذلك من التصرف . وإن لم يشهد بنفس ما وكل فيه . ( و ) ترد شهادته ( ببراءة من ضمنه ) بأداء أو إبراء ، لأنه يدفع بها الغرم عن نفسه . تنبيه : في معنى ذلك من ضمنه عبده أو مكاتبه أو غريمه الميت أو المحجور عليه بفلس ، ومن ضمنه أصله وفرعه . ( و ) ترد شهادة وارث عند الشهادة ( بجراحة مورثه ) قبل اندمالها كما صرح به في المتن في باب القسامة ، لأنه لو مات كان الأرش له ، وليس مورثه أصله وفرعه ، فإن لم يكن وارثا له عند الشهادة لحجب مثلا قبلت ، ولا يضر زوال الحجب وارثه بعد الحكم . ( ولو شهد لمورث له ) غير أصله وفرعه ( مريض ) مرض موت ( أو جريح بمال قبل الاندمال قبلت ) شهادته ( في الأصح ) . والثاني : قال : لا كالجراحة للتهمة . وفرق الأول بأن الجراحة سبب للموت الناقل للحق إليه بخلاف المال وبعد الاندمال يقبل قطعا لانتفاء التهمة . نعم لو مات المورث قبل الحكم لم يحكم ، قاله الماوردي . ولما فرغ من الشهادة الجالبة للنفع شرع في الدافعة للضرر ، فقال : ( وترد شهادة عاقلة بفسق شهود قتل ) يحملونه من خطأ أو شبه عمد بخلاف شهود إقرار بذلك أو شهود عمد . فإن قيل : هذه المسألة تقدمت في باب دعوى الدم والقسامة فما فائدة ذكرها هنا ؟ أجيب بأنه أطلق هناك ما يجب تقييده في موضعين : أحدهما رد جراحة المورث